Inspiring Better Health

لماذا نجد صعوبة في تقبل الحقيقة عن الجلوتين؟

0 702
لماذا نجد صعوبة في تقبل الحقيقة عن الجلوتين؟
Rate this post

 

تزداد معرفتنا يوما بعد يوم بالعلاقة الوطيدة ما بين الغذاء والصحة. فلقد بتنا نعرف اليوم أهمية تجنب السكر والأطعمة المصنعة، ولكن هل من الممكن أن يكون الجلوتين سببا في الكثير من المشاكل التي نعاني منها أيضا؟ فهناك الآن انتشار وبائي لعدم تحمل الجلوتين” gluten intolerance” والذي يشمل مرض السيلياك “celiac disease” والحساسية للجلوتين غير السيلياكية ” non-celiac gluten sensitivity or NCGS” يوازيها زيادة في صناعة الأطعمة الخالية من الجلوتين. لماذا يتبع الكثير من الناس نظاما غذائيا خاليا من الجلوتين؟ هل هي مجرد بدعة غذائية مجنونة أخرى؟ هل هناك مبالغة وتضخيم غير مبرر لهذه المشكلة أم أنها مشكلة حقيقية شائعة فوق ما نتخيل؟

 

ما هو الجلوتين؟

يشكل الجلوتين 80% من نسبة البروتين في عدد من الحبوب أهمها القمح، والشعير والجاودار [1](rye). ويتكون الجلوتين من نوعين من البروتينات، غليادين “gliadin”وغلوتينين “glutenin”، وهو مسؤول عن مرونة العجين. فأثناء عملية العجن تتشكل سلاسل طويلة من الجلوتين التي تحجز جزيئات ثاني أكسيد الكربون فيما بينها، فينتفخ العجين ويرتفع وبعد خبزه يكون متماسكا ولكن خفيفا في ذات الوقت. دخلت الحبوب الغنية بالجلوتين منذ العصر الروماني كمصدر للكربوهيدرات، ولكن زاد استهلاكنا لها بشكل كبير جدا منذ الثورة الصناعية. وأصبحت الحبوب مثل القمح دعامة أساسية في ثقافتنا الغذائية التقليدية والحديثة.

 

إذن كيف يؤثر الجلوتين في صحتنا؟

إن من أشد المخاطر المرتبطة بالجلوتين هو مرض السيلياك[2] الذي يصيب جهاز المناعة الذاتي. وفيه يتعرف جهاز المناعة على الجلوتين كعنصر غريب مهاجم للجسم ويرد عن طريق إفراز أجسام مضادة موجهة ضده[3]، والتي في العادة يفرزها الجسم ضد الأجسام الغريبة مثل البكتيريا والفيروسات وليس ضد الغذاء. وما يحدث للأسف هو أنه عندما تهاجم الأجسام المضادة الجلوتين فإنه من الممكن جدا أن تهاجم معه بالخطأ بطانة الأمعاء، مما يسبب أضرارا جسيمة للأمعاء الدقيقة تؤثر على قدرتها على امتصاص المواد المغذية، أو قد تهاجم أي نسيج آخر في الجسم وينتج عن ذلك مجموعة من المشاكل الصحية الأخرى.

من المهم أن نعلم أن مرض السيلياك ليس بالحساسية[4]. فالحساسيات تسبب رد فعل مناعي مشابه ولكن عن طريق الأجسام المضادة الخاصة بالحساسية. فحساسية القمح [5]“Wheat allergy” تتشابه مع السيلياك في بعض الأعراض الهضمية ولكنها تشمل أيضا المزيد من أعراض الحساسية المعتادة مثل الطفح الجلدي، وسيلان أو انسداد الأنف، والربو، والحكة، والتورم، والصعوبة في التنفس والاختناق والحساسية المفرطة “anaphylaxis” والتي من الممكن أن تسبب الوفاة. فإذا كنتم تعانون من أي من هذه التفاعلات عند تناول القمح، فعليكم طلب المشورة من الطبيب.
في حين لا يوجد إجماع بعد على تعريف حساسية الجلوتين غير السيلياكية، فإن الفهم الأكثر شيوعا لها هو أنها مشكلة تحدث بسبب وجود الجلوتين ليست برد فعل مناعي ذاتي (كما هو الحال مع مرض السيلياك) أو بالحساسية (مثل حساسية القمح). وتتحسن مباشرة بعد إزالة الجلوتين من الغذاء. ويبدو أن هذه المشكلة تؤثر على عدد من الناس أكبر بكثير مما كان يعتقد.[6]

 

هل لديكم مشكلة مع الجلوتين لا تعلمون عنها؟

هناك افتراض بأن عدم تحمل الجلوتين دائما ما يسبب مشاكل في الجهاز الهضمي، ولكن هذا ليس بصحيح. فحوالي 50% من المرضى الجدد الذين يتم تشخيصهم بالسيلياك لا تظهر عليهم أي أعراض في القناة الهضمية.

عدم تحمل الجلوتين يمكن أن يؤثر على أي نسيج أو عضو في الجسم: الدماغ، والمعدة، والكبد، والأوعية الدموية، والغدد الصماء، والجلد، الخ. وكلا من السيلياك والحساسية للجلوتين غير السيلياكية يرتبطان بمجموعة متنوعة من الأعراض والأمراض، ابتداء من مرض السكري من النوع الأول وانفصام الشخصية إلى الصرع والصدفية. ولأن الأعراض واسعة جدا وغير محددة (يمكن أن تعزى إلى العديد من المشاكل الصحية الأخرى) قد لا ينتبه المرضى ولا حتى الأطباء أن السبب هو الجلوتين.

الأعراض

  • مشكلات الجهاز الهضمي (الإسهال، والإمساك، والغازات، وانتفاخ وآلام البطن)
  • الصداع
  • ضبابية التفكير وضعف الذاكرة
  • التعب
  • آلام العضلات والمفاصل
  • خدر ووخز في الذراعين والساقين
  • إكزيما الجلد
  • الإكتئاب
  • فقر الدم

هل تعانون من أي من هذه الأعراض؟ يمكن أن يكون الجلوتين في غذائكم هو السبب!

 

ما الدليل؟

في حين أنه ما زال هناك الكثير من الجدل حول الجلوتين، كانت هناك مراجعة شاملة للدراسات والكتابات المنشورة في مجلة الكلية الأمريكية للتغذية ” American College of Nutrition (2014)” توصلت إلى بعض الاستنتاجات المثيرة:”هناك نسبة كبيرة من عموم الناس تشكو من مشاكل متعلقة بالقمح أو/والجلوتين، على الرغم من أنهم غير مصابين بمرض السيلياك أو حساسية القمح”. كما أفادت المراجعة بأن المرضى الذين يعانون من الخمول والمشاكل الهضمية “تحسنوا على نظام غذائي خالي من الجلوتين”.

مجلة التغذية ” The Journal of Nutrition (2013) ” تشير إلى وجود علاقة قوية بين حساسية الجلوتين غير السيلياكية (NCGS) والاضطرابات العصبية والنفسية، خاصة مرض التوحد” autism” وانفصام الشخصية” schizophrenia”. وتكشف أيضا أن بروتينات أخرى موجودة في القمح يمكن أن تزيد من الأعراض الجسدية والعقلية.

في حين تم اكتشاف حساسية الجلوتين غير السيلياكية في فترة الثمانينات، فإن عدم وجود دراسات كافية وتداخل الأعراض مع أمراض أخرى مثل متلازمة القولون العصبي”Irritable Bowel Syndrome ” قد جعل من الصعب دقة إحصاء المرض. ومع ذلك، فإن الحجم الهائل من الدراسات والأوراق التي نشرت خلال العقد الماضي فقط هو دليل على تزايد الاهتمام العلمي والاكلينيكي بهذه المشكلة.

وقد أدت الحاجة لمزيد من المعلومات إلى تكوين لجنة من 15 خبير لإجراء مراجعة شاملة لمساعدة الأطباء في تشخيص وعلاج هذا الطيف من الاضطرابات. هذه المراجعة الشاملة بحثت في بيانات جُمّعت من آلاف التقارير الاكلينيكية في عدة بلدان وخلصت إلى ورقة مراجعة بالإجماعconsensus review عام 2012. هذه الورقة تصنف من بين الأوراق الأكثر تحميلا من بين 65 مجلة تنشرها BioMed Central (ناشر رائد في المجلات)، مما يدل على مدى الشعبية التي يتلقاها هذا الموضوع.

وخلص الخبراء في ورقة المراجعة إلى أن “هناك وتيرة عالية ومجموعة واسعة من ردود الفعل السلبية تجاه الجلوتين والذي يطرح السؤال: لماذا هذا البروتين سام لعدد كبير من الأفراد في العالم؟ أحد التفسيرات المحتملة هو أن اختيار أصناف القمح التي تحتوي كميات متزايدة من الجلوتين كانت تتم في عمليات انتقائية خلال العشر آلاف سنة الماضية وذلك لأسباب تكنولوجية وليس لأسباب غذائية “.

 

لماذا يصر النظام الطبي على تجاهل هذه المشكلة؟

يمكن شفاء مرض السيلياك وحساسية الجلوتين الغير سيلياكية بأطيافها المختلفة عن طريق إزالة الجلوتين من النظام الغذائي. البحث العلمي لدعم حياة خالية من الجلوتين تماما لا تزال في المراحل المبكرة ويعتبرها البعض بدعة. ولكن هذا يمكن أن يكون له أسباب أخرى غير الأمانة العلمية، فقد يكون من غير المجدي ماديا دعم الأبحاث العلمية في هذا المجال من قبل المنفق الرئيسي على الأبحاث الصحية وهم شركات الأدوية والصناعات الغذائية التي من الممكن أن تخسر أموالا طائلة في حال تحول المستهلكون إلى نمط حياتي طبيعي، خال من منتجات الجلوتين، يساعد في تخليصهم من الكثير من الأعراض التي يعانون منها دونما حاجة إلى الأدوية!

 

من يجب أن يتبع نظاما غذائيا خاليا من الجلوتين؟

إذا كنتم تأكلون الجلوتين من ضمن غذائكم ولا تعانون من أي مشاكل، استمتعوا! ولكن، حذار أن يكون استهلاك الأطعمة الغنية بالجلوتين على حساب الأطعمة الأكثر تغذية مثل الأسماك واللحوم، ومنتجات الألبان، والمكسرات والبذور والخضروات والفواكه. واعلموا أننا ما زلنا لا نفهم كل العوامل التي تحوّل الناس من تحمل الجلوتين إلى عدم تحمله.

لكن، إذا كنتم تعانون من مشاكل في الجهاز الهضمي، أو أي من الأعراض المذكورة أعلاه، فيمكن أن يكون الجلوتين هو السبب.

قد يكون من الصعب تقبل فكرة أن الجلوتين يمكن أن يسبب كل هذه القضايا. فكلنا نحب رائحة الخبز الطازج ولا نتخيل أن هذه الحبوب البريئة من الممكن أن تسبب المشاكل. نحن بحاجة إلى المزيد من البحث، ولكن الأدلة تتراكم على أن استبعاد الجلوتين من الغذاء بإمكانه أن يحل هذه المشكلات.

 

إذن ماذا بإمكاننا أن نفعل؟

من الصعب تشخيص عدم تحمل الجلوتين. معظم الأبحاث تنهج الإقصاء أو الإستبعاد (the elimination approach)، والتي هي مراقبة الجسم بعد إزالة الجلوتين من النظام الغذائي. الطريقة المؤكدة الوحيدة لتعرفوا ما إذا كنتم حساسين للجلوتين أم لا هي أن تقوموا بالتجربة بأنفسكم!

 

فلنبدأ التجربة

انتبهوا إلى جسمكم ومزاجكم خلال أربعة أسابيع من تناولكم الكميات المعتادة من الجلوتين ثم استبعدوا الجلوتين من غذائكم لمدة أربعة أسابيع على الأقل:

  • كونوا حذرين، فالجلوتين يدخل في تصنيع كل شيء تقريبا، من صلصة الصويا إلى عرق السوس. احرصوا على قراءة لائحة المكونات بعناية لأنه نادرا ما تكون واضحة![8]
  • استبدلوا الحبوب التي تحتوي على الجلوتين بالكربوهيدرات المعقدة الأخرى، مثل البطاطس والبطاطا الحلوة واليام “yams” والقلقاس “taro” وموز الجنة “plantains” وهذه تساعد على الشعور بالشبع والإمتلاء وعدم الحاجة إلى الأكل بين الوجبات.
  • تناولوا الكثير من الخضروات والفواكه الطازجة لتساعد على توفير العناصر الغذائية التي تحتاج إليها الأمعاء والدماغ من أجل صحة أفضل!

 

لقد تم الربط بين الجلوتين والكثير من المشكلات الصحية من مشاكل هضمية، وتعب وخمول، وصداع وغيرها. إذا كان لديكم أي من المشاكل التي تحدثنا عنها، فأنتم مدينون لأنفسكم بتجربة استبعاد الجلوتين من غذائكم. ليس لديكم ما تخسرونه… سوى الأعراض التي تزعجكم! إذا كان الكثير من الناس حاليا يواجهون مشاكل مع الجلوتين، هل نحتاج إليه حقا ضمن غذائنا؟ إنها قضية تستحق التفكير فيها بكل تأكيد. 

المراجع
تعليقات
Loading...