Inspiring Better Health

العودة الى المدارس: وقفة تأمل مع الأسرة

50
العودة الى المدارس: وقفة تأمل مع الأسرة
Rate this post

أ. د. عدنان فرح

أستاذ علم النفس الإرشادي

جامعة البحرين – مملكة البحرين

رئيس الإتحاد العربي لعلوم النفسية

المنسق الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط للجمعية الدولية لشؤون وخدمات الطلبة

 

مع عودة الطلبة للمدارس تعاني الكثير من الأسر من ضغوط مختلفة، مصدرها بالغالب مشكلات التسوق وشراء ما يلزم من أدوات وقرطاسية وزي مدرسي وما ينتج عن ذلك من أعباء مادية على ميزانية الأسرة، وما يتولد لدى بعض الطلبة من مشاعر الحرمان بسبب عدم تمكنهم من الحصول على ما يريدون، ومشاعر القلق والتوتر مما ينتظرهم في العام الدراسي الجديد. وتعتبر عودة الأبناء للمدرسة فرصة لجميع الآباء للتأمل في العديد من الممارسات والقضايا التربوية التي تتطلب مراجعة أنفسنا لتحقيق فهم أعمق لموقفنا منها وبأن نفتح صفحة جديدة في التعامل معها لما لها من تأثير كبير في التحصيل الدراسي لأبنائنا.

أولى هذه الجوانب هي قيمنا واتجاهاتنا الشخصية تجاه التعليم والتعلم.

لنسأل أنفسنا كآباء إلى أي مدى تعكس تصرفاتنا قيم واتجاهات ايجابية نحو التعلم والتعليم والمتعلمين؟ هل يفهم الأبناء منا بشكل مباشر أو غير مباشر ما يدل على احترام المعلم ومستقبل التعليم والمتعلمين، أم خلاف ذلك؟ . لنتذكر دوماً أننا قدوة لأبنائنا وأن شخصياتهم وقيمهم واتجاهاتهم تتشكل في ضوء ما يسمعونه ويشاهدونه ويعايشونه من قيم واتجاهات وسلوكيات مختلفة في الأسرة.

ثانيا: دور الأسرة مقابل دور المدرسة:

أوافق الكثيرين ممن يرون أن التعليم هو مسؤولية المدرسة. ولكن لنسأل أنفسنا ما دور الأسرة في تعليم الأبناء؟ لن أخوض كثيراً في الإجابة عن هذا السؤال، ولكنني أرى أن أدنى حقوق الأبناء على الآباء هي متابعتهم والسؤال عنهم، فقد يكون سؤالك لأبنائك عن أحوالهم ومستواهم التحصيلي أثر في نفوسهم وفي حافزيتهم، وبأن هناك من يتابعهم ويهتم بشأنهم. وقد تترك زيارتك للمدرسة أثر طيب في نفس المعلم بأنك أب متعاون وبأنك لم تغفل دورك التربوي وأنك تتقاسم معه مسؤولية تعلم الإبن. يحضرني هنا مثال الطالبة المراهقة التي دفعتها الغيرة من زميلاتها إلى ارتكاب المخالفات السلوكية كوسيلة غير مباشرة لإستدعاء الأم إلى المدرسة للسؤال عنها ومتابعتها والحصول على اهتمام الأسرة، ولو بهذه الطريقة الملتوية.

ثالثا: المناخ الأسري:

يخطئ من يظن أن التحصيل هو فقط نتاج عملية مذاكرة متواصلة ومثابرة وتنظيم وقت، وما إلى ذلك، بالطبع لا أحد ينكر أهمية هذه التفاصيل، ولكن هل فكرنا كآباء بدور المناخ الأسري في تحصيل الأبناء؟، هل تعتقد أن أسرتك هي عامل هدم أم عامل بناء في تحصيل أبنائك؟ هل تسود أسرتك علاقات ودية يشعر معها الجميع بالتكيف والسعادة والتماسك الأسري؟ أم أن أسرتك جبهة مشتعلة لمشاحنات مستمرة وخصومات لا تنتهي، وتصحر عاطفي بين الآباء والأبناء أو حتى بين الأبناء أنفسهم. لقد أكدت الأوساط العلمية في مجال علم النفس التربوي بأن التحصيل الأكاديمي المرتفع يحتاج الى بيئة أسرية صحية وعلاقات إيجابية بين أعضاء الأسرة لا سيما الزوجين، فهل نعتقد كآباء أن كل ما علينا أن نقدمه لأبنائنا هو أن نؤمّن لهم الطعام والشراب وعوامل الترفيه؟ أم أن علينا أيضاً احتوائهم بالحب والإهتمام وتفهم ظروفهم ومشكلاتهم،  مع الإصغاء لهم والنتحاور معهم.

رابعا: العادات اليومية:

هناك العديد من العادات اليومية التي تلعب دوراً كبيراً في تحصيل الأبناء. أبرز هذه العادات والتي أصبحت عنواناً لحياتنا وحياة أبنائنا هي التعامل مع الهواتف النقالة وأجهزة الآيباد وغيرها، والتي لا تستنزف وقت الأبناء فحسب، بل أصبحت تعتبر العدو اللدود لتحصيلهم وتنظيم وقتهم. فهل لنا كآباء مساعد أبناءنا بتنظيم التعامل مع هذه الأجهزة اليومية بطريقة حكيمة يوزع فيها الوقت بشكل منطقي بين المذاكرة وحل الواجبات البيتية؟

أضف الى ذلك أن التحصيل المتدني يرتبط بعادات النوم السيئة والسهر لساعات طويلة وقلة النوم، أو عدم الحصول على القسط الكافي منه، بحسب تأكيد  الأوساط العلمية باستمرار، الأمر الذي ينعكس على الأداء الدراسي والتذكر والتركيز واضطرابات المزاج وما إلى ذلك.

مؤخراً، ازدادت العوامل والأسباب التي تحول دون حصول الأبناء على القسط الكافي من النوم، لذلك علينا إدراك أن التحصيل الجيد يرتبط بساعات نوم معتدلة لا إفراط ولا تفريط  فيها، وأن معدل ما يحتاجه الطفل قبل المراهقة من ساعات النوم هو عشر ساعات، ومعدل ساعات النوم للمراهقين يتراوح بين 8-9 ساعات.

 

ولا ننسى أن من العادات الهامة المرتبطة بالتحصيل الدراسي عادات الأكل، فالإفراط في الأكل والعشوائية وسوء التنظيم والغذاء غير المتوازن وغير الصحي، كلها تؤثر سلباً في التحصيل والمذاكرة وفي الحافزية للتعلم. فالعقل السليم كما نعلم في الجسم السليم الذي يعتاد على النشاط والحركة وليس الخمول والتخمة.

خامسا: النظرة الواقعية.

أتفق مع الكثير من الآباء الذين يحثون أبناءهم على تحقيق أفضل مستوى ممكن من التحصيل الدراسي والحصول على أعلى العلامات، إلا أنني أدعوهم أيضاً إلى مواجهة  الواقع بأننا لسنا سواء في قدراتنا وإمكاناتنا. يقول الله تعالى في سورة الأنعام: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (الآية 165). فلنكن واقعيين في مطالبنا وتوقعاتنا تجاه أبنائنا بما ينسجم مع قدراتهم وامكاناتهم، فالنظرة الواقعية لإمكانات وقدرات الأبناء تجعل من تجربة التعلم أكثر متعة بعيداً عن التشنج والتوتر، كما أن ذلك يخلق مشاعر التقبل المتبادل بين الآباء والأبناء. إن نظرتك الواقعية لقدرات أبنائك هي رسالة ضمنية تقول بأنك تتقبلهم كما هم، أما التوقعات المرتفعة والإصرار على مستوى معين من الأداء دون مراعاة خصائص وإمكانات الأبناء، فقد ينتج عنه مشاعر مختلفة تتراوح بين الإحباط والتوتر والذنب والشعور بالدونية والخوف من الفشل.

سادسا: أين نقف كآباء من مؤسساتنا التربوية لا سيما وزارة التربية والتعليم؟

نعلم أن هناك من يوافق وهناك من يخالف ما تقوم به وزارة التربية من جهود متواصلة لتطوير التعليم، ولكن هل فكرنا كآباء بما قد يترتب على معارضتنا لبعض المبادرات التربوية كتمديد اليوم المدرسي مثلاً، من نتائج أو تأثير سلبي في اتجاهات أبنائنا نحو المدرسة وفي مستوى حافزيتهم وإقبالهم بروح ايجابية على التعلم. لا شك أن ما يحتاجه الطلبة في عصر التناقضات الذي نعيشه هو مجتمع متماسك يسير في مركب واحد ويتجه لوجهة واحدة، وأسرة داعمة لجهود التربويين والخبراء الذين يصلون الليل بالنهار للإرتقاء بمستوى التعليم إلى جوار الدول المتقدمة.

إن وقفة تأمل في العوامل المذكورة، من شأنها مساعدة الآباء على إعادة النظر لتغيير بعض الممارسات والمعتقدات الخاطئة،  التي قد تحول دون تحقيق الهدف المنشود من التربية والتعليم.

وفي النهاية لا أقول أن العودة للمدرسة تتطلب وقفة تأمل واستعداد فقط من جانب الأسرة، فعلى المدرسة أيضاً دور كبير لم تتسع هذه المقالة لتناوله، حيث يستطيع المعلم إمعان النظر في جميع العوامل الآنفة الذكر، والتي لها دوراً حاسماً في مستوى حافزيته ونجاحه في العمل، كأن يعيد النظر في قيمه واتجاهاته الشخصية تجاه التعلم والتعليم، وفي دوره التربوي والتعليمي مقابل دور الأسرة، وفي نظرته ومدى تقبله للفروق الفردية والإختلاف بين الطلبة، بالإضافة إلى دوره الداعم لجهود صناع القرار والقائمين على شؤون التربية والتعليم، وما يبذلونه من جهود مشكورة لتطوير واقع ومستقبل التربية والتعليم.

تعليقات
Loading...